(الاقتصاد السوري- وآفاق المستقبل).. الدروس المستخلصة من الخطة الخمسية العاشرة .. تغطية خاصة بآزورا الفرات للمحاضرة التي ألقاها الدكتور قدري جميل في ندوة أمس في دمشق
(الاقتصاد السوري- وآفاق المستقبل).. الدروس المستخلصة من الخطة الخمسية العاشرة .. تغطية خاصة بآزورا الفرات للمحاضرة التي ألقاها الدكتور قدري جميل في ندوة أمس في دمشق
العاشرة طموحة بالنسبة للخطط التي سبقتها، وبغض النظر عن رقم النمو المستهدف، الذي يمكن أن نتفق أو نختلف عليه، وعلى أي أساس يبنى ومن أين ستأتي موارده الاستثمارية؟ فإن تحديد رقم ما مستهدف للنمو هو إنجاز بحد ذاته بالنسبة للفكر التخطيطي في البلاد.
ولكنها مع الأسف لم تستطع الوصول إلى أرقامها المعلنة، إن كان من حيث النمو أو تضييق دائرة البطالة أو تخفيض نسب الفقر المختلفة مع ما يرافق ذلك من نمو حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أو نسبة الاستثمار بشقيه العام والخاص إلى الناتج الإجمالي.
فالأرقام السنوية للنمو الإجمالي بمجموعها الوسطي لن تصل إلى الأرقام المستهدفة، كما أن الرقم النهائي المستهدف من المشكوك الوصول إليه (7%).
الفقر على أساس مقاييس الأمم المتحدة التي كانت مدعوة للتراجع بنسبة 20 إلى%30 في نهاية الخطة قد تقدمت حسب الأرقام المعلنة حتى الآن بنسبة 10%
كما أن معدلات البطالة، لم تتحسن، مع أن أرقامها غير واضحة مثل الأرقام الأخرى، والمدهش أن نسبة البطالة بقيت ثابتة بحدود8%، بينما كانت فرص التشغيل تتناقص سنوياً إلى أن وصلت إلى 25 ألف فرصة عمل محققة من أصل 250 ألف مستهدفة، وبحساب بسيط يتبين أن الخطة لم تحقق 40%من استهدافها ولكنها استطاعت الحفاظ على نسبة البطالة ثابتة في مكانها على الأقل وهو أمر «معجزة» مطلوب من علم الاقتصاد تفسيرها. والملفت للنظر إضافة لذلك أن نسبة المشتغلين بفرص جديدة قد انخفض بين العام الأول للخطة وأعوامها الأخيرة بنسبة 60%.
والواضح أن نسبة الاستثمار بشقيه العام والخاص الذي لم يتجاوز وسطياً 25% من الناتج الإجمالي لم يسمح بتحقيق أرقام النمو المستهدفة حسب الجدول التالي:
يمكن الاستنتاج أن نسب الاستثمار العامة قد تحققت عملياً بفوارق بسيطة عن الاستهدافات المخططة، ولكن ما يزيد الأمور تعقيداً في التفسير هو لماذا لم تتحقق إذاً أرقام النمو المطلوبة؟
لا نختلف في الرأي مع الذين يقولون أن استهدافات الاستثمارات المخططة لا ترقى إلى مستوى نسب الاستثمارات في بلدان مشابهة وإلى مستوى الاستثمارات المطلوبة في بلد يواجه التحديات على جبهات عديدة اقتصادية كانت أم سياسية..
إلى كل ذلك الاستنتاجات الصحيحة التي سبقنا غيرنا إليها أن أكثر السكان في سورية لم يتحسن دخلهم بل أضيف أن دخلهم الفعلي قد انخفض رغم ارتفاع دخلهم الإسمي... وأن الإنفاق على التعليم والصحة لم يكن على مستوى ما أراد له مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي.
كل ذلك يستدعي طرح سؤال بسيط ما سبب عدم قدرة الخطة العاشرة على تنفيذ أهدافها؟
الظروف الموضوعية المتعلقة بعوامل خارجة عن إرادتها مثل المناخ والأزمة العالمية؟
ـ أم أن هنالك مشكلة أعمق تتعلق بمنطق وبنية الخطة نفسها والسياسات التي اتبعت في تنفيذها؟
للجواب على هذه الأسئلة نحتاج إلى أمرين:
1 ـ دراسة مقارنة مع بلدان شبيهة خلال الفترة نفسها.
2 ـ دراسة المناخ العالمي وخاصة بعد اندلاع الأزمة الرأسمالية العالمية العظمى. دراسة مقارنة سريعة
هنا تقدير مكانة سورية بين دول العالم من حيث مؤشرات التنمية البشرية فيما لو حافظنا على النموذج الاقتصادي الحالي الذي يتميز بمعدل نمو اقتصادي منخفض يقارب النمو السكاني ومستوى متواضع للتنمية البشرية. ولتكن وحدة القياس هي حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
يشير تقرير التنمية البشرية2009 إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد حسب تعادل القوة الشرائية بلغ 4511 دولاراً أمريكياً في سورية في العام 2009(المركز112). وهو رقم ضئيل جداً يعكس حجم النمو الاقتصادي المحقق والذي لا يكاد يتجاوز النمو السكاني. هذا، إضافة إلى أن مؤشر الناتج المحلي للفرد هو مؤشر نظري لا معنى له في ظل التوزيع المشوّه للدخل الذي يجعل دخول شرائح واسعة من المجتمع تنخفض عن هذا الرقم بكثير وهو ما يعني تدهور مستوى المعيشة واتساع دائرة الفقر.
دلالة هذا الرقم، لا بأس من مقارنته مع الناتج المحلي للفرد في دول أخرى كتركيا وتونس وماليزيا و الاردن و لبنان(جدول رقم1).
يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في تركيا 12955 دولاراً أمريكي.
وبفرض تثبيت التطور المحقق في تركيا وتونس وماليزيا عند النقطة التي وصلت إليها كل من هذه الدول اليوم، وبفرض استمرار الشروط الاقتصادية الحالية في سورية حيث معدل نمو دخل الفرد 5.1% ومعدل النمو السكاني المتوقع خلال الفترة (2003 ـ 2015) هو 2.3%، هنا يمكن لسورية اللحاق بتركيا من حيث الناتج المحلي للفرد بعد 51 عاماً.
المقارنة مع تونس، حيث يبلغ الناتج المحلي للفرد في تونس7520 دولاراً، ستحتاج سورية إلى 52 عاماً لبلوغ قيمة حصة الفرد من الناتج المحلي المحققة الآن في تونس. أما لو تمت المقارنة مع ماليزيا فالمسألة هنا أصعب. حيث يصل الناتج المحلي للفرد في ماليزيا إلى 13518 دولاراً. ولذلك فإنه ينبغي على سورية أن تنتظر 70 عاماً لتحقق ما وصلت إليه ماليزيا اليوم (الجدول رقم 3).
الخروج عن فرضية تثبيت الناتج المحلي للفرد في الدول المذكورة عند مستواه الحالي، ووضع فرضية جديدة تقول باستمرار نمو الناتج المحلي للفرد في تركيا وتونس وماليزيا حسب وتيرة النمو الحالية، فإن مواكبة هذه الدول من حيث الناتج المحلي للفرد ستكون مستحيلة بشروطنا الاقتصادية الحالية لأن معدل نمو الناتج المحلي للفرد في سورية أقل منه في أي من هذه الدول الثلاث، مما يعني في المحصلة النهائية اتساع الهوة التي تفصلنا عن هذه الدول وتزايد تخلفنا النسبي.
ويبقى السؤال، ماذا لو تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الدول الثلاث المذكورة؟ ترى، أي سيصبح موقعنا على سلم التنمية البشرية؟
التوازن الاقتصادي مع تركيا
للمسألة، سنعتبر هنا أن تحقيق وزن اقتصادي هام لسورية يقتضي تحقيق التوازن الاقتصادي مع جارتها تركيا والذي سنفترض أنه يتحقق عند تعادل الناتج المحلي الإجمالي للفرد في كلا الدولتين.
وبالعودة للجدول رقم (1)، نجد أن الناتج المحلي للفرد في سورية كان يبلغ3610 دولار حسب تعادل القوة الشرائية في عام 2004، بينما يصل في تركيا إلى 7753 دولار.بينما اصبح في 2008 في سورية 4511دولار و ازداد في تركيا خلال نفس الفترة إلى 12955 دولار.
التوازن الاقتصادي مع لبنان والأردن
من (الجدول رقم 1)، نلاحظ أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الأردن يبلغ 4901 دولار و في لبنان 10109 دولاراي بزيادة الاخيرة عن سورية 124%.
ونظراً لتفوق سورية على مجموع لبنان والأردن معاً من حيث المساحة وعدد السكان وحجم الموارد الطبيعية، سنفترض هنا أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في سورية يجب ألا يقل عن مجموع الناتج المحلي للفرد في لبنان والأردن معاً. ومع معدل نمو الناتج المحلي للفرد في سورية البالغ1.5 %، وضمن فرضية تثبيت الناتج المحلي الإجمالي للفرد في كل من لبنان والأردن، يصبح تحقيق التوازن الاقتصادي مع لبنان والأردن ممكناً ولكن بعد 72 عاماً فقط استمرار نمو الناتج المحلي للفرد في كل من لبنان والأردن وفقاً لوتيرة النمو الحالية، فإن تحقيق التوازن الاقتصادي لسورية مع لبنان والأردن يصبح مستحيلاً وهذا بديهي طبعاً لأن معدل نمو حصة الفرد من الناتج المحلي في سورية أقل بكثير من نظيره في لبنان.
والنتيجة التي نصل إليها هنا أنه ضمن الشروط الاقتصادية الحالية في سورية لا يمكن تحقيق وزن اقتصادي هام إقليمياً ليكون نقطة الارتكاز لدور اقتصادي وسياسي ذي شأن.
والنتيجة أن اللوحة هكذا تتطلب ليس فقط تحقيق أرقام النمو المطلوبة والمخططة والمعلنة وإنما تتطلب أيضاً إعادة النظر فيها جذرياًَ باتجاه رفعها وتأمين مواردها الداخلية خصوصاً في ظل التحديات الكبرى والضرورات التي تنصب أمامنا داخلياً وخارجياً.
المناخ العالمي الذي صيغت وطبقت الخطة خلاله
شك أن الإعداد للخطة العاشرة جرى ضمن مناخ عالمي انعكس نظرياً وعملياً ليس فقط على منهجها وإنما أيضاً على أدوات وسياسات تطبيقها.
فهذا المناخ كان يشهد المرحلة الأخيرة من مد الليبرالية الجديدة مع كل الأوهام التي رافقتها، لذلك من المفهوم وإن كان من غير المبرر حتى في ذلك الحين التوافق والتناغم مع هذا المد...
اليوم وبعد اندلاع الأزمة الكبرى واستمرار تعمقها، أصبح ليس فقط من غير المفهوم بل من غير المقبول الاستمرار بالسياسات السابقة التي كانت صدى لهذه الموجة في مراحل صعودها النهائية...
لذلك يجب الخروج الآن وفوراً باستنتاجات بعيدة المدى حول جوهر هذه الأزمة وعمقها وآفاقها...
نأخذ بعين الاعتبار كباحثين جديين، ليس «الهوبرات» الإعلامية للإعلام العالمي الذي يخدم مصالح الرأسمال العالمي، بقدر ما نأخذ بعين الاعتبار الوقائع الملموسة على الأرض... فإذا كنا نريد أن نبقي رجع صدى لهذا الإعلام فيجب أن نتفق معه أن الأزمة انتهت والاقتصاد العالمي يسير نحو الانتعاش، بينما تقول الوقائع غير ذلك وآخرها:
هبوط نسبة التجارة العالمية %12 في 2009 عن العام الذي سبقها.
الأزمة بعمقها الجديد الاقتصادي ـ الاجتماعي إلى بلدان الأطراف في المركز الأوروبي (اليونان ـ البرتغال ـ إيرلندا ـ أيسلندا ـ إسبانيا) التي هي على قاب قوسين أو أدنى من أن تعلن كدول مفلسة...
توقعات هزة جديدة خلال المستقبل المنظور القريب، تتجاوز بآثارها الهزة التي أعلن عن بدئها في أيلول 2008، لتتجاوز البورصات والأسواق المالية وبعض المصارف وصولاً إلى النظام المصرفي بكامله وإلى تخوم الاقتصاد الحقيقي... ومؤشر أزمة صناعة السيارات العالمية اليوم مؤشر هام على ذلك.
الصحيح الافتراض الآن أن عمق الأزمة يكمن في نهاية المطاف تاريخياً في الصراع الذي دار على مدى أكثر من مئتي عام بين مدرستين نظريتين في الاقتصاد السياسي: المدرسة النقدية الربوية، والمدرسة الاقتصادية السياسية الكلاسيكية...
فالاقتصاد الغربي يدار منذ مئات السنين بعقلية المدرسة النقدية الربوية وحتى اليوم... أما المدرسة الأخرى فقد قدمت بدائل ومفاهيم للمدرسة الأولى، أُرجح أن الحياة حسمتها لصالحها نهائياً اليوم، فالمدرسة الأولى تعتقد أن الثروة تصنع الثروة، وأن المال يأتي بالمال، بينما ترى المدرسة الثانية أن أصل هذه الثروة هو العمل وقيمة العمل... وقد أدى الخلاف بين هاتين المدرستين إلى اختلاف جذري في التطبيق وفي صياغة المفاهيم والمصطلحات وأهمها مفهوم الناتج المحلي الإجمالي والدخل الوطني...
النظر هنا، أن كل الحسابات القومية في بلادنا تسير منذ الاستقلال وحتى اليوم على هدى مفاهيم المدرسة النقدية الربوية...
فالمدرسة الأولى اعتبرت أن كل دخل مهما كان مصدره هو دخل واعتبرت الدخل الوطني هو مجموع الدخول بغض النظر عن مصدرها.
بينما اعتقدت المدرسة الثانية أن الدخل ينتج فقط في القطاعات السلعية بغض النظر إن كانت نتيجة عمل عضلي أم ذهني، وأن كل الدخول الأخرى مشتقة من الأول وهي مجرد إعادة توزيع لها بين فروع الاقتصاد المختلفة وفئات وشرائح المجتمع المختلفة..
الموضوع قيمته العملية التي تظهر أهميتها القصوى والكارثية اليوم.. فالطريقة الأولى حسب رأي مدرسة العمل، تضخم بشكل مشوه الناتج المحلي الإجمالي والدخل الوطني، لفت النظر هنا، أن كل الحسابات القومية في بلادنا تسير منذ الاستقلال وحتى اليوم على هدى مفاهيم المدرسة النقدية الربوية...
فالمدرسة الأولى اعتبرت أن كل دخل مهما كان مصدره هو دخل واعتبرت الدخل الوطني هو مجموع الدخول بغض النظر عن مصدرها.
بينما اعتقدت المدرسة الثانية أن الدخل ينتج فقط في القطاعات السلعية بغض النظر إن كانت نتيجة عمل عضلي أم ذهني، وأن كل الدخول الأخرى مشتقة من الأول وهي مجرد إعادة توزيع لها بين فروع الاقتصاد المختلفة وفئات وشرائح المجتمع المختلفة..الموضوع قيمته العملية التي تظهر أهميتها القصوى والكارثية اليوم.. فالطريقة الأولى حسب رأي مدرسة العمل، تضخم بشكل مشوه الناتج المحلي الإجمالي والدخل الوطني، مما يؤدي إلى تبرير إصدارات نقدية مبالغ بها، مما يؤدي إلى تضخم مستمر، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن التضخم هو طريقة مستترة لإعادة توزيع الدخل لصالح أصحاب الأرباح لفهمت أن الموضوع ليس مجرد خطأ نظري بل يختفي وراءه مصالح كبرى...
ولكن إلى متى وإلى أي حد ممكن الاستمرار بعملية الاحتيال الكبرى في التاريخ على حساب الشعوب والأرض نفسها؟
يمكن لهذه الآلية الاستمرار ما دام هنالك مساحات من المعمورة غير مستصلحة من قبل الرأسمالية التي يمثلها مؤخراً صاحب الجلالة الدولار... ولكن وبسبب المحدودية الجغرافية للكرة الأرضية، وبسبب استنزاف إمكانيات الانتشار بالعرض للعرض النقدي المبالغ به في بلدان المركز.. ظهرت الأزمة عبر الفقاعة المالية الكبرى...
والوضع هكذا فإن الإعلام والعلم في الغرب يصرخ ويشكو من اكتشافه المفاجئ بعدم وجود علم اقتصاد سياسي أو على الأقل فشل الاقتصاديين في التنبؤ بالأزمة والتحكم بها لاحقاً...
اليوم على السقوط النهائي لمدرسة اقتصادية كبرى دامت أكثر من 500 عام، وشهود على حسم الصراع بين المدرستين لصالح مدرسة ثانية...
وكي لا أتهم بالمبالغة أو الاستنتاج على أساس الرغبات إليكم ببعض ما جاء في تقرير لجنة قياس الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي في 27 تشرين الأول 2009 والمشكَّلة بمبادرة من الرئيس الفرنسي ساركوزي والتي تضم حوالي 20 باحثاً عالمياً يقف على رأسهم جوزيف ستيغليز ومن بينهم عدد من حاملي جائزة نوبل للاقتصاد والذين لا يمكن اتهام أحد منهم بالانتماء للمدرسة الماركسية في الاقتصاد السياسي..
لماذا كتب هذا التقرير؟
في شباط 2008، لم يكن رئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي راضياً عن الوضع الراهن للمعلومات الإحصائية حول الاقتصاد والمجتمع، فكلّف جوزيف ستيغليتز (رئيساً للجنة) وأمارتياسين (مستشاراً) وجان بول فيتوسي (منسقاً) بإنشاء لجنةٍ سميت لاحقاً لجنة قياس الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي CMEPSP. كان هدف اللجنة تعيين حدود الناتج المحلي الإجمالي GDP بوصفه مؤشراً على الأداء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، ومن ضمن ذلك المشكلات التي تعترض قياسه، كي تؤخذ بالاعتبار المعلومات الإضافية التي يتطلبها إنتاج مزيدٍ من المؤشرات المتصلة بالتقدم الاجتماعي، وتقدير معقولية أدوات القياس البديلة، وكذلك مناقشة الكيفية التي تقدم فيها المعلومات الإحصائية على نحوٍ أمثل.
هنالك تغيراتٌ كبيرةٌ في التفاوت (بصورةٍ عامة، تغير في توزيع الدخل)، فقد لا يقدّم مؤشر الناتج المحلي الإجمالي أو أي مؤشر إجمالي آخر محسوب على أساس الفرد الواحد، قيمةً دقيقةً عن الوضع الذي يعيشه أغلب الناس.
إنّ تنامي التفاوت بما يكفي قياساً لزيادة معدل الناتج المحلي الإجمالي سيجعل وضع الكثيرين أسوأ، حتى لو تزايد متوسط الدخل.
قد يكون التركيز خصوصاً على ما هو قائم (على سبيل المثال في الناتح المحلي الإجمالي أو الناتج القومي الإجمالي، اللذين كانا بؤرة آلاف الدراسات الاقتصادية حول التقدم)، مبرراً في المحصّلة ـ إلى أقصى حدّ ـ فقط من خلال ما تقدمه تلك الأمور على الحيوات البشرية التي يمكن أن تؤثر على نحوٍ مباشرٍ أو غير مباشر. علاوةً على ذلك، فمن الواضح أنّ الناتج المحلي الإجمالي مؤشرٌ غير مناسب لقياس الرفاه بمرور الزمن، خاصةً في أبعاده الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وغالباً ما تشير إليه عدة مظاهر بوصفه غير مستدام؟.
وهم يعتقدون أنّ أحد الأسباب التي جعلت الأزمة مفاجئةً للكثيرين، هو أنّ نظام القياس الذي نستخدمه تسبب في فشلنا، ولو أنّ المشاركين في السوق والمسؤولين الحكوميين لم يركزوا على المجموعة الصحيحة للتقرير الإحصائي الذي وضعته لجنة قياس الأداء الاقتصادي ومؤشرات التقدم الاجتماعي. فمن وجهة نظرهم، لم يكن بوسع أنظمة المحاسبة في القطاعين الخاص والعام تقديم إنذارٍ مبكر، ولم تحذرنا من أنّ ظاهر الأداء المتألق للاقتصاد العالمي بين العامين 2004 و2007 قد يكون على حساب النمو المستقبلي. من الواضح أيضاً أنّ بعض هذا الأداء كان مجرد «سراب»، الأرباح الناتجة عن أسعارٍ ضخّمتها الفقاعة.
بكاملها مقتنعةٌ بأنّ الأزمة تعلّمنا درساً هاماً، مفاده أنّ محاولات توجيه الاقتصاد ومجتمعاتنا تشبه رباناً يحاول توجيه دفته دون بوصلة. فالقرارات التي يتخذونها (وكذلك نحن كمواطنين أفراد) تعتمد على ما نقوم بقياسه، وعلى جودة قياساتنا، وعلى حسن فهمنا لتلك المقاييس. غالباً ما نكون عمياناً حين تكون المؤشرات التي يستند الفعل إليها سيئة الإعداد، أو حين لا تكون مفهومةً على نحوٍ كافٍ. لعدّة أغراض، نحن بحاجةٍ لمؤشراتٍ أفضل.
وتخلص اللجنة إلى عدة رسائل:
1 ـ الوقت قد حان لتهيئة نظام قياس خاص بالنشاط الاقتصادي.
2 ـ التشديد على مقياس مستويات معيشة المواطنين أو الأسر.
3 ـ منح مزيد من الأهمية لتوزيع الدخل والثروة كمقياس.
4 ـ التركيز على نوعية المعيشة في القياسات.
5 ـ ينبغي لهذه المؤشرات أن تغطي بشكل صحيح التفاوتات.
إذن هناك أزمة حقيقية وتخبط لا مثيل له في معالجة مفهوم الناتج المحلي الإجمالي الذي بدأت نخبة الغرب في تلمس مدى المأزق الذي دخلته بسببه.
الدروس المستخلصة من الخطة العاشرة
لا يمكن استخلاصها بمعزل عن الواقع نفسه الذي يحيط به من جهة مناخ عالمي جديد، ومن جهة أخرى تجربة الخطة نفسها التي لا يمكن تجاوزها والسير إلى الأمام إلا عبر نقد موضوعي وصارم لها.
لذلك يمكن تلخيص الدروس المستخلصة بالتالي:
1 ـ دون إعادة النظر في طريقة احتساب الناتج المحلي الإجمالي والإقلاع عن الطريقة التي يحتسب بها حتى الآن، إذ لا يمكن لأية عملية تخطيطية أن تصل إلى نهايتها المنطقية دون ذلك، فالطريقة الحالية في الحساب فقدت مصداقيتها وهي إن فعلت شيئاَ فإنما بالغت في أرقام الناتج الإجمالي وفي الدخل الوطني مما أدى إلى جملة من الإشكالات في كل السلسلة اللاحقة، ومما يخلق جواً من عدم المصداقية والثقة في الرقم وخاصة حينما يظهر زيادة في أرقام النمو وانخفاض في مستوى المعيشة في آن واحد... والحقيقة يمكن أن تكون في مكان آخر ألا وهو أن رقم النمو مبالغ به، نتيجة طريقة حساب الناتج المحلي الإجمالي. ففي إحدى سنوات الخطة كان النمو الوسطي 6%، بينما كان نمو القطاعات الإنتاجية سلبياً، والقطاعات اللاإنتاجية عالياً جداً، مما أدى إلى وسطي إيجابي، والحقيقة أن النمو كان فعلياً سلبياً، مما أدى إلى انخفاض مستوى المعيشة الفعلي لشرائح واسعة من المجتمع الأمر الذي أدى بدوره إلى طرح سؤال مشروع حول عوائد النمو وأين تذهب؟، بينما هي كانت غير موجودة أصلاً، وإذا أضفنا إلى ذلك تعميق الخلل في توزيع الثروة بين الأجور والأرباح، وازدياد تمركز الثروة لأصبحت اللوحة أقتم وأعقد.
ـ ضمن إطار ضغط النظرية النقدية ـ الربوية سادت رؤية تقول أن ازدياد الأغنياء غنى هو أمر إيجابي لأنه يحفز النمو اللاحق، إذ عبر تمركز الثروة يزداد الاستثمار ـ وبالفعل فخلال القرن العشرين كان النمو البحت والمجرد للدخل الوطني شرط ضروري ولكن غير كاف للعدالة الاجتماعية وأثبتت التجربة أن النمو ممكن دون تحقيق عدالة اجتماعية، كما أثبتت من طرف آخر استحالة تحقيق العدالة الاجتماعية دون نمو اقتصادي جدي.
الأرجح أن الأمر اليوم في بداية القرن الواحد والعشرين أصبح مختلفاً جداً ـ فالتمركز الهائل للرساميل الذي بلغ ذروته في القرن العشرين قد أخرج رساميل هامة من العملية الإنتاجية بسبب توسع الطابع الريعي للاقتصادي العالمي الساعي نحو الربح الأقصى الذي توفره الفروع المختلفة خارج منظومة الاقتصاد الحقيقي والتي هي انعكاس ونتيجة لكتلة النقود العالمية الهائلة التي ضخت في شريانات الاقتصاد العالمي والتي وفرت بحد ذاتها ريعاً كبيراً لأصحابها ملاك النقود العالمية... والتي هي السبب الحقيقي والعميق للأزمة العالمية الحالية...
المعادلة اليوم على المستويين الجزئي (كل بلد) والكلي (العالم بأسره) كالتالي: العدالة في التوزيع هي التي تؤمن المستوى الضروري للاستهلاك على مستوى الكرة الأرضية بشكل متوازن بين أجزائها هي الشرط الضروري الوحيد لتحقيق أي نمو ممكن على المستويين نفسهما...
لذلك فإن أية خطة لا تأخذ بعين الاعتبار قضية الإصلاح الجذري للعلاقة بين الأجور والأرباح التي هي علاقة يشوبها الكثير من الخلل، لن يكتب لها النجاح، لأنها تحرم الدورة الاقتصادية من إمكانيات وموارد كبيرة تذهب عادة نحو القطاعات الأكثر ربحية ألا وهي اليوم القطاعات الريعية... التي لا تقوم بأية إضافة على الثروة أي لا تخلق فعلياً أية قيمة مضافة.
كما أنها تحرم الاقتصاد الوطني من الموارد الداخلية الحقيقية الناقصة في عملية الاستثمار وإعادة الإنتاج.
3 ـ والقول هكذا يصبح الاستنتاج: إن ليس كل استثمار على أية شاكلة كان هو مفيد للاقتصاد الوطني هو استنتاج صحيح وضروري، فالخلل في بنية الاستثمارات بين الفروع السلعية والخدمية وانزياح الكفة باتجاه القطاعات الريعية، يخلق استثمارات ضارة وكابحة للنمو.
إذاً دون فهم معادلة توزع الاستثمارات بين الفروع الأساسية المختلفة ودون التحكم بها بشكل واع، من الممكن أن تؤدي الاستثمارات إلى خلق موجة تضخمية لا يكبح جماحها مما يؤثر على وضع الليرة السورية والاحتياطي النقدي والاقتصاد الوطني بشكل سلبي.
الملموسة تقول أن نسبة الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد الحقيقي يجب أن لا تقل عن 30 % من الناتج المحلي الإجمالي، لتحقيق نسب النمو الضرورية لمواجهة الميول السلبية في التطور الاقتصادي ـ الاجتماعي، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ظروف الأزمة العالمية والانخفاض المستمر لاحتمال تدفق استثمارات خارجية إلى الداخل السوري، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاستثمارات الخارجية المتبقية كاحتمال تدفق باتجاه الداخل تبغي الأمان من خلال الربح السريع نفهم أن طبيعتها لا تسمح لها من حيث المبدأ بتلبية الحاجات الضرورية للاقتصاد السوري في المرحلة الحالية، لذلك يبقى الخيار الوحيد هو تعبئة الموارد الداخلية للوصول للأهداف المنشودة.
وهنا حينما تحدد الأهداف المنشودة، فإن الانطلاق في تحديدها يجب أن يجري من الحاجة والضرورة اللاحقة للتطور الاقتصادي الاجتماعي السياسي وليس تحديدها على أساس إسقاط أرقام التطور السابقة على سلسلة زمنية لاحقة... لأنه حتى لو كانت أرقام واستهدافات الأمس صحيحة، وهو أمر مشكوك فيه، فمن الذي قال إنها مطابقة لأهداف المستقبل التي يحددها فقط ضرورات الواقع المستجد.
الاقتصادية المستقبلية بما فيها بل أولها رقم النمو، هي قرار سياسي بالدرجة، فالاقتصاد قضية جدية إلى حد كبير لدرجة أنه لا يجوز تسليمها فقط للاقتصاديين وحدهم. إن دور الجهاز الاقتصادي يحين عندما يحدد المجتمع سياسياً أهدافه المستقبلية في مواجهة التحديات المفترضة، عندها يقوم هذا الجهاز بتفصيل هذه الأهداف وتجزيئها وتوزيعها وصياغة السياسات الضرورية للوصول إليها وصولاً إلى تأمين الموارد الكافية لها...
5 ـ وأخيراً إن كل هذا الوضع يفترض استخلاص استنتاج شامل وهو ضرورة صياغة النموذج الاقتصادي السوري المطلوب للتطور اللاحق وهذا النموذج يجب أن يتجنب قضيتان: الدور الضعيف
للدولة كما تريد الليبرالية الجديدة أوالعودة إلى الدور القديم الذي إن كان قد أدى دوره في حينه إلا أنه أصبح غير مطابق لمتطلبات الواقع الجديد. إن الملامح الأساسية للنموذج الاقتصادي السوري المطلوب هي:
1 ـ نسب نمو عالية لا تقل عن 10 %، ولكن حقيقية وخاصة في قطاعات الإنتاج المادي السلعية... مما سيوفر الأرضية لحل مهام اقتصادية واجتماعية كبرى.
2 ـ عدالة اجتماعية عميقة عبر إصلاح الخلل في توزيع الثروة بين الأجور والأرباح.
3 ـ رفع نسب التراكم والاستثمارات في الاقتصاد الحقيقي إلى أعلى نسبة ممكنة خلال فترة وجيزة.
4 ـ رفع عائدية الاقتصاد السوري على أساس الاعتماد على الإمكانيات الذاتية وخاصة عبر مسح و اكتشاف المزايا المطلقة لاقتصادنا.. وعدم الاعتماد المطلق على المزايا النبسية فقط كما يحدث حتى الآن..