|
من أول السطر نقول أنه لايجوز لأحد يتحدث عن ديمقراطية ثم يلجأ الى اسلوب المنع او الاجتثاث لحزب او فكرة او تيار ،فهذه العبارة تحمل نقيضها وهي من الناحية الفكرية تعني ان قائلها ومرددها من النوع المصاب بعمى فكري ..وكان سقراط يحب كل الناس ،ويناقش كل الناس الا المدعين من اصحاب العور الفكري.
واذا كان الدستور العراقي قد حظر حزب البعث وتأسست الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث لمنع أنصار صدام من العودة للسلطة،فالدستور معيب ولابد من تغييره ،وهيئة اجتثاث البعث لم يعد لها أدنى قيمة فهي وليدة حالة عصبية وازمة نفسية انتابت عملاء الاحتلال،وينبغي ان تسقط بالتداعي، اذ يعتقد أن اثنين من قادة الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث وهما أحمد الجلبي وعلي اللامي مقربان من إيران.
والمستفيد الاكبر في العراق من الشك في حزب البعث هي التحالفات المتعاونة مع الاحتلال وايران مثل ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي والتحالف الوطني العراقي بزعامة المجلس الاعلى الاسلامي العراقي.
ومن الناحية العملية فأن اجتثاث البعث هي اعتراف قاس بقوة الفكرة المراد اجتثاثها فضلا عن قوة الكتلة الاجتماعية التي تحتضن الفكرة..ومن هنا يأتي الخوف منها ومن حامليها .
ماسبق هو اضعف الايمان ...وأقل مايقال ردا على الفاشية الجديدة السائدة في عراق اليوم ،عراق الاحتلال ،وعراق الطائفية البغيضة والقتل على الهوية ،وعراق السيارات المفخخة التي تفجر الفتنة التي هي اشد من القتل.
ومن يريد اجتثاث البعث واهم ،لعدة اسباب:
أولا:البعث فكرة فلسفية ،وثقافة عروبية ،وهناك فرق بين الفكرة والنظام السياسي،فالتاريخ الاسلامي مر بمراحل عديدة ،تنوعت فيها النظم السياسية ،وذهبت الانظمة بما لها وعليها وبقي الاسلام ،كعقيدة دينية سماوية .
والحال نفسه في الفكر الاشتراكي فقد قامت نظم وسقطت نظم لكن بقت الاشتراكية كفكرة موجودة في الضمير العالمي بدليل اشتراكية القرن 21التي يقودها اليوم ثوار اميركا اللاتينية ويقدمون فيها ولها ابداعات انسانية متدفقة بدءا من هوجو شافيز ووصولا الى اورتيحا نيكارجوا.
معنى ذلك ان الافكار لاتموت وان مات اصحابها او النظم التي طبقتها .وحزب البعث باق وان رحل بريمر والحكيم والمالكي وكل هؤلاء الذين سوف يسجلهم التاريخ في باب "الظالمين" .
اما ثانيا،فإن حزب البعث العراقي له انجازات حضارية وتنموية اثرت على الكتلة الاجتماعية التاريخية التي قامت ولازالت على اكتافها نهضة العراق،وهم ملايين البسطاء وابناء الطبقة الوسطى الذين استفادوا من اجازات الثورة البعثية وتحولوا الى طاقة انتاجية وابداعية ،وهنا نشير الى البنية البشرية الابداعية والتكنولوجية التي ولدت وترعرعت في ظل البعث العراقي... آلاف العلماء والاساتذة والعمال والادباء والمعلمين الذين آثروا العطاء العراقي للامة العربية وصاروا علامات فكرية وثقافية من موريتانيا الى اليمن، لاينكر ذلك إلا جاحد او صهيوني.
وثالثا ،وهذا مهم للغاية هو أنه يكفي حزب البعث انه الذي يقود المقاومة منذ وطأت دبابات العدو ساحة الفردوس ،فهي اسرع مقاومة في التاريخ وقد فشل قادة النظام الدخول في مفاوضات لتأمين خروجهم وعوائلهم ، واصروا على البقاء في العراق والمقاومة ، حتى إن وقعوا في الأسر.
ولقد قدم حزب البعث آلاف الشهداء والجرحى ،وعطر الارض العربية العراقية بدماء الاستشهاديين والاستشهاديات، وهي المقاومة العربية وربما العالمية الوحيدة التي لم تجد دولة تدعمها ،فحدودها محاصرة من كل جانب ،وباستثناء سوريا المقاومة التي فتحت أبوابها للملمة جراح العراقيين فالجميع يشارك في جريمة حصار المقاومة العراقية ،مثلما يحاصرون المقاومة الفلسطينية.
ولايعني هذا كله أن حزب البعث من الملائكة ،من دون اخطاء ،بل هو مثل كل حركة سياسية شعبية تتحول الى نظام سياسي ، وتقود بلدا كبيرا مثل العراق ،تحيطه التحديات من كل صوب وحدب لابد وان تكون هناك أخطاء ، صغيرة وكبيرة ،أخطاء في الحسابات السياسية او في تنفيذ القرارات ،لكن المهم تاريخيا ليس الاخطاء من هنا او هناك بل المنهج القائد للحركة ،فالمؤرخ يستطيع ان يرصد مائة خطأ لصلاح الدين الايوبي في ادارة الدولة المصرية ، لكن التاريخ لاينظر الى هذه الاخطاء بقدر ماينظر باجلال الى الانتصار العظيم على الصليبيين واستعادة القدس ، ومالايعرفه كثيرون أن صلاح الدين رفض التفاوض على اي شبر من القدس وقرر استمرار المعارك والحصار حتى استسلم الصليبيون.
وحزب البعث هو الذي يرتعش منه اذناب الاحتلال اليوم،ويحاولون بشتى الطرق منع المرشحين الذين يشتبه في انتمائهم للبعث بدخول الانتخابات التشريعية ،ولو كان القائمون على العملية السياسية في عراق اليوم واثقون من انفسهم مااستبعدوا احدهم ،وليتركوا الاختيار للشارع العراقي من دون وصاية،لكن لانهم يعرفون أنهم أضعف من جناح بعوضة وهم يحتمون بدبات الاحتلال وأموال نفط غير محدودة ،وميلشيات احترفت زرع العنف الاسود في كل مكان لذلك هم يقاومون بكل قوة حضور البعث الفكر والرجال والمنهج في صندوق الاقتراع .
كيف؟
هناك قائمة تضم قرابة 500 مرشح صدر حظر يحول دون خوضهم الانتخابات بسبب ارتباطات لهم بحزب البعث الذي كان يتزعمه الرئيس الراحل صدام حسين.وقد وجد عملاء الاحتلال الذين يحكمون عراق اليوم انفسهم امام ورطة قانونية وفي مواجهة محكمة تمييز أصدرت حكما بتعليق حظر على ترشح سياسيين لهم ارتباطات مزعومة بحزب البعث المحظور إلى ما بعد انتخابات السابع من مارس آذار.
ولابد أن تنفذ السلطات الحاكمة هذا القرار القضائي، وأن تلتزم بقانون الانتخابات ورغم التزوير في قوائم الناخبين وتحريك كتل انتخابية،و"رش" الاموال المنهوبة من موارد البلد،وتسخير الاجهزة التنفيذية والامنية لخدمة مرشحين بعينهم رغم هذا كله،فان الشارع العراقي حتما سيختار من يعبر عنه بصدق ان لم يكن هذه المرة ستكون في انتخابات قادمة،ووقتها سوف يعرف الذين ظلموا إلى أي ارض نفاق ساروا.
اما حزب البعث ،فهو حزب شعبي عريق ،له تجربة طويلة ،وله وعليه مثل أي تجربة انسانية بما في ذلك التجارب التي قادها انبياء كان فيها وعليها ، والتقييم الموضوعي للتجربة البعثية في العراق ستكون في العراق نفسه وعلى يد قيادات البعث -أولا - التي هي احرص ماتكون على النقد الذاتي،من اجل اكتشاف قوانين التطور التاريخي ،والاستفادة من الازمات والمشكلات والجراح .
لكن الوقت هو وقت نضال مسلح ضد الاحتلال الاميركي الصهيوني واعوانه ، والحرب تدور في بر العراق على عدة مستويات يخوضها القوميون والاسلاميون ورجال العشائر الابطال ضد العدو من جهة ،ومعركة اخرى مع النفس لأن خير الجهاد هو جهاد النفس بمعنى نقد الذات واكتشاف الاخطاء،ونحن كناصريين في مصر قدمنا نقدا ذاتيا غير مرة ونسعى حاليا الى الانفتاح على كل القوى المناضلة ضد الاستبداد والتطبيع وضد سلطة كامب ديفيد، كما نأمل ان نحقق وحدة التيار الناصري ففي ظل المعارك الكبرى يكتسب النقد الذاتي قيمة كبرى ،وهذا مانريده من الاشقاء في حزب البعث العراقي وهم اخوتنا في منهج القومية العربية التي هي الفكر الاصيل للامة العربية .
|